قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة السابعة – فتوى السيستاني
قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة السابعة – فتوى السيستاني
لاحقا في مساء نفس اليوم 3/4/2003 وبينما كان
الامريكان بانتظار رجوع أحد مبعوثيهم للقاعدة، أبلغهم أحد مُخبريهم بأن السيد
السيستاني أصدر فتوى لأهالي النجف "لا تعرقلوا القوات الامريكية الداخلة
للعراق"، وقد ذكرها السيد عبد المجيد الخوئي في أتصال هاتفي مع احدى الجهات الإعلامية، اذ قال:
وصلتنا فتوى للسيد السيستاني يطلب فيها من المؤمنين عدم التدخل والوقوف محايدين
وعدم عرقلة عمل الحلفاء الى استقرار الوضع".[1]
كذلك في اليوم التالي التقى الصحفي معد فياض بالشيخ محمد الكعبي إمام مسجد حنون في
مدينة النجف والذي عبر عن اطمئنانه لما وصلت اليه الامور وقال "أنا اعتمد
فتوى آية الله السيستاني بعدم عرقلة عمل قوات الحلفاء"، وتمنى عودة الحياة
الطبيعية للمدينة وتوزيع المساعدات على المواطنين وان يشعر الجميع بالأمن
والاستقرار.[2]
حتى نحاول فهم فتوى السيستاني فينبغي أولاً
استذكار موقف السيستاني من الامريكان قبل بداية الحرب، ففي فتوى له أواخر عام 2002
كانت إجابة عن سؤالين وجها له من قبل النظام البعثي: ما هو واجب المسلمين تجاه الهجوم الأمريكي؟ وما حكم من يساعد في
العدوان على العراق؟ فأجاب السيستاني بالآتي:[3]
بسم الله الرحمن
الرحيم
قال الله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ) وقال عز من قال (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) صدق
الله العلي العظيم... إن واجب المسلمين في هذا الظرف العصيب أن يوحدوا كلمتهم
ويبذلوا كل ما بوسعهم في الدفاع عن العراق العزيز وحمايته من مخططات الاعداء الطامعين
وليعلم الجميع أن لو تحققت - لا سمح الله - مآرب المعتدين في العراق لسوف يؤدي ذلك
الى نكبة خطيرة تهدد العالم الاسلامي بصورة عامة فعلى كل مسلم أن يعي هذه الحقيقة
ويقوم بما يمكنه في سبيل الذود عن العراق المسلم ومنع العدوان عليه.
ومن المؤكد إن العراقيين - شعباً وقيادة - يقفون متراصين متكاتفين يشد
بعضهم ازر بعض أمام أي اعتداء وسيقاومون بكل قوة وصلابة وسيخيبون آمال المعتدين
بعون الله تبارك وتعالى.
لا ريب في إن تقديم أي نوع من انواع العون والمساعدة للمعتدين يعد من
كبائر الذنوب وعظائم المحرمات يتبعه الخزي والعار في الحياة الدنيا والعذاب الاليم
في الدار الاخرة.
لقد قال الامام الصادق عليه السلام: (من أعان على المؤمن بشطر كلمة
لقي الله عز وجل يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمتي) فكيف بمن يعين على ضرب
شعب مؤمن ويتعاون مع الاجنبي في الاعتداء على بلاد المسلمين. اسأل الله العلي
القدير أن يأخذ بأيدي المسلمين الى ما فيه الخير والصلاح وان يجنب العراق العزيز
كيد الاشرار وكيد الكفار انه سميع مجيب الدعاء.
علي الحسيني السيستاني
27 جمادى الاخرى 1423هـ
الموافق ليوم الاربعاء 4 أيلول 2002
وفي فتوى ثانية صدرت بتاريخ 26/3/2003 من قبل
المراجع الأربعة في النجف (السيستاني واسحاق الفياض ومحمد سعيد الحكيم وبشير
النجفي) وهي كالآتي:[4]
بسم الله الرحمن
الرحيم
قال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ
الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) صدق الله العلي
العظيم
يحز في النفس أن يصل الامر بالمسلمين أن يُغزوا في عقر دارهم، وتنتهك
حرماتهم بلا وازع ولا رادع، ونحن اذ نستنكر بشدة العدوان الأمريكي البريطاني
الظالم على العراق المُسلم الذي زاده الله شرفا بعتباته المقدسة ومشاهده المعظمة،
نؤكد على المسلمين عموما وأبناء العراق العزيز خصوصا:
أولاً: أن يرجعوا الى الله عز وجل ويوثقوا علاقاتهم به ويلجأوا اليه
جل شأنه في محنتهم، عسى أن يرحمهم ويقوي فيهم جميعا عزتهم وكرامتهم، وان يكونوا
صفا واحدا ضد الغزاة المجرمين.
ثانياً: أن يوحدوا كلمتهم بوجه العدوان السافر ويحافظوا على النظام
العام، ويتحلوا بالحلم والصبر ولا يستجيبوا لهتاف الشيطان القوي في اندفاع عدواني
من اجل اشباع أحقاد شخصية او رغبة أو مكاسب محرمة، وان يحافظوا على الأموال العامة
ولا يتعرضوا لها، فانها ملك لهم جميعا، يضر بهم اتلافها على كل حال، فان الله
تعالى يقول: ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) صدق الله العلي العظيم.
ثالثاً: ندعو الامة الإسلامية في كل مكان للتكاتف والتآزر والوقوف مع
العراق المسلم المجاهد بكل ما يستطيعون من قوة وندعو شعب العراق أن يدفعوا عن
وطنهم وعرضهم ودينهم ومقدساتهم لطرد الغزاة الكافرين عن ارض السلام.
تجدر الإشارة الى انه عندما صدرت هذه الفتوى
وتناقلتها أجهزة الاعلام العراقية، أسرع
الخوئي الى نفي صحتها جملة وتفصيلاً وذكر أنه حصل على تأكيدات من المراجع في النجف
بأنهم اضطروا الى اصدار تلك الفتوى تحت تهديدات عناصر النظام العراقي.[5] وواضح هنا بأن الخوئي كانت له نوايا وخطة مسبقة بالسعي لاستحصال
فتوى من السيستاني لدعم قوات الحلفاء.
أما ما يخص فتوى السيستاني الجديدة في
3/4/2003 فجاءت مخالفة تماماً لفتاواه السابقة وكشفت عن نواياه الحقيقية، ولكي
نفهم هذه الفتوى لابد أن نوضح مصطلح في علم أصول الفقه يُعرف بأسم مفهوم المخالفة،
يشير هذا المصطلح الى انه إذا خصَّ شيء بالذكر ونطق به وصرح بحُكمه، فإنا نستدل
بذلك على أن المسكوت عنه يخالفه في الحُكم. فمثلا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، فان مفهوم المخالفة لهذه الآية هو أن الله يحب
الصلاح والصالحين.[6]
بالعودة الى فتوى السيستاني نجد فيها عبارة "عدم عرقلة عمل الحلفاء" ومفهوم المخالفة لهذه الفتوى هو ساندوا
عمل الحلفاء وعاونوهم، ففتوى السيستاني هي فتوى تأمر العراقيين بالتعاون مع قوات
الحلفاء.
لقد لاقت فتوى السيستاني ترحيب من قبل
الامريكان، ففي المؤتمر الصحفي للقيادة المركزية للجيش الأمريكي، أعلن العميد
فنسنت بروكس Vincent
Brooks
بأن آية الله السيستاني الذي كان تحت الإقامة الجبرية من قبل النظام، أصدر فتوى
يأمر بها السكان التزام الهدوء وعدم عرقلة عمل التحالف. وذكر بأنهم يعتقدون بأن
هذه الفتوى هي نقطة تحول مؤثرة ومؤشر بأن النظام العراقي يقترب من نهايته.[7] كما
ذكر الفتوى وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد Donald Rumsfeld قائلاً بأن السيستاني أتخذ خطوة شجاعة بتوجيه السكان بالتزام الهدوء
وعدم عرقلة عمل الحلفاء.[8] كذلك
أشاد نائب وزير الدفاع الامريكي بول وولفويتز Paul Wolfowitz في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس
الشيوخ في 10 أبريل 2003 بفتوى السيستاني واعتبرها بانها "أول فتوى بالتاريخ
مؤيدة للأمريكان".[9]
لقد أدت فتوى السيستاني الى إغضاب إيران،
فضغطت على كبار رجال الدين في قم ليصدروا توضيح يتعارض مع الفتوى.[10] كذلك
ذكرت قناة الجزيرة إن مكتب السيستاني أتصل بالعديد من القنوات والجهات ليبلغها بأن الفتوى لم تثبت صحتها.[11] وواضح بأن السيستاني بدء يتعرض لضغوطات كبيرة
جداً من إيران جعلته ينفي الفتوى.
في اليوم التالي المصادف 4/4/2003 قرر عبد
المجيد الخوئي زيارة السيد علي السيستاني، فانطلقوا في الساعة السادسة صباحاً من
مقرهم الواقع في معمل إسمنت الكوفة وكان معه أربعة اشخاص وهم كل من: اياد جمال
الدين (ابن شقيق الشاعر مصطفى جمال الدين والذي جاء من الامارات)، والصحفي معد
فياض وعبد الحسن الخفاجي وماهر الياسري. عندما وصلوا الى منزل السيستاني دخل الخوئي واياد جمال الدين الى
المضيف بينما جلس البقية في صالة الاستقبال حيث قدمت لهم وجبة إفطار، ولم يكن
السيستاني متواجداً في المنزل لأنه انتقل الى مكان سري خشية على حياته من الظروف
السائدة في النجف، وكان لقاء الخوئي وجمال الدين مع نجل السيستاني السيد محمد رضا.[12]
يروي إياد جمال الدين بأن هدفه من اللقاء كان تأمين حماية السيستاني
والمراقد المقدسة في حين كان الخوئي يريد فتوى من السيستاني تسمح للقوات الامريكية
في التواجد في النجف. وعندما سأل الخوئي عن موقف السيستاني حيال القوات الامريكية
فأجابه محمد رضا بأن الاب لا يتدخل بهذه القضايا، وهذا ما جعل الخوئي يغضب ويقول
"إذاً الناس يجب أن تجد قيادة دينية جديدة!" ومن ثم غادر الخوئي.[13] بعد
هذه الزيارة خرج الاعلام الإيراني في اليوم التالي بخبر يقول إن آية الله
السيستاني رفض استقبال مبعوث وزارة الخارجية البريطانية عبد المجيد الخوئي.[14]
واضح بأن تطورات كثيرة حصلت بعد فتوى السيستاني التي أعلن عنها
الامريكان فرحين بها، فبداية نفى مكتب السيستاني الفتوى، ثم ترك السيستاني منزله
واختفى في مكان سري لتأمين حياته، خصوصاً وأن الامريكان لم يكونوا قادرين على
تأمين حمايته بشكل مباشر بعد أن منعت الحشود الامريكان من الاقتراب من منزل
السيستاني القريب من مرقد الامام علي (عليه السلام).
هذه الاحداث تؤكد تعرض السيستاني الى تهديدات كبيرة جعلته يتوارى
ويسحب فتواه، فضلاً عن ذلك يظهر بأن الخوئي لم يكتفي بفتوى السيستاني وانما أراد
فتوى أكثر وضوحاً في دعمها للأمريكان، كما يمكن ملاحظة النبرة الاستعلائية التي
تحدث بها الخوئي مع محمد رضا السيستاني مع تهديده بإمكانية استبدال السيستاني في
حال لم يستجب معه.
تجدر الإشارة هنا الى إن اياد جمال الدين غادر النجف مساء يوم 8 أبريل متجها الى الكويت
وبالرغم من إن سبب مغادرته غير معروف لكن يظهر بأن مهمته اقتصرت على اللقاء
بالسيستاني فقط ومن ثم غادر، الا انه ترك أخيه الدكتور قصي واصدقاءه مع مجموعة
الخوئي.[15]
[1] Hughes, C. P.
(2007). War on two fronts: An infantry commander’s war in Iraq and the
Pentagon. Casemate, p. 113; الخوئي, ع. ا. (2003).
عبدالمجيد الخوئي السيستاني أمر بعدم التعرض لقوات التحالف [Video]. In YouTube.
https://youtu.be/cTR1eJS5umU
[2] فياض, م. (2003a, April 4). «الشرق الأوسط» تدخل إلى النجف: 90% من المدينة آمن وفدائيو صدام يتمترسون
في مرقد الإمام علي وبعض البيوت. الشرق الأوسط.
https://archive.aawsat.com/details.asp?section=39&issueno=8893&article=163698&search=%C7%E1%D3%ED%D3%CA%C7%E4%ED&state=true
[3] Helfont, S.
(2018). Compulsion in religion: Saddam Hussein, Islam, and the roots of
insurgencies in Iraq. Oxford University Press. p. 150; Sassoon, J.
(2011). Saddam Hussein’s Ba’th Party: Inside an authoritarian regime.
Cambridge University Press, p. 267; الجفري, خ.
(2013, February 27). اطلع على فتوى المرجع الشيعي
(علي السيستاني) في ضرورة مقاومة وإدانة العدوان الامريكي ما قبل الغزو للعراق..
وما الذي تغيّر.. سؤال هام..! مدونة بلاد
العرب اوطاني. http://k-algafri.blogspot.com/2013/02/blog-post_5183.html
[4] الشكري,
ع. ي. (2017). شيعة العراق من المعارضة الى السلطة. دار الرافدين. ص.
126-127؛ بزي, م. ح. (2003). عبد المجيد الخوئي و((شاهد)) بلا شهادة (الطبعة
الاولى). دار الأمير، ص. 225.
[5] زادة,
ع. ن. (2003, April 4). مصادر شيعية تتحدث عن «قلق واضطراب»
في طهران وأوساط الجماعات العراقية المقربة منها لظهور الخوئي في النجف. الشرق
الأوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?section=39&issueno=8893&article=163700
[6] أحمد, ر. (2014, August 14). ثلاثون مثالا على مفهوم المخالفة. شبكة الألوكة. https://www.alukah.net/sharia/0/74678/%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A9/
[7] Brooks, V.
(2003, April 3). Central Command Briefing [Video]. https://www.c-span.org/video/?175943-1/central-command-briefing
[8] Rumsfeld,
D. (2003). DEFENSE DEPARTMENT BRIEFING: Sistani not interfere US forces. In C-SPAN.org.
https://www.c-span.org/video/?c4948771/user-clip-sistani-interfere-forces
[9] Kurzman, C.
(2003). Pro‐US Fatwas. Middle East Policy, 10(3), p.
155.
[10] Bodansky, Y.
(2004). Secret history of the Iraq War. Harper Collins, p. 254.
[11] الجزيرة
نت. (2003, April 3). مكتب السيستاني ينفي إصدار فتوى بعدم
مقاومة الغزاة. Al Jazeera. https://www.aljazeera.net/news/arabic/2003/4/3/%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D8%AA%D9%88%D9%89-%D8%A8%D8%B9%D8%AF%D9%85
[12] فياض,
م. (2003, April 28). شاهد على رحلة الخوئي إلى العراق:
زرنا بيت السيستاني وتناولنا أول وجبة إفطار عراقية، والخوئي أعد بيانا لم ينشر
يدعو فيه لعدم التدخل في الشأن العراقي باسم الشيعة. الشرق
الاوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8800&article=167823#.YtdPyHZBxqk
[13] Anderson, J.
L. (2004, April 25). The uprising. The New Yorker. https://www.newyorker.com/magazine/2004/05/03/the-uprising
[14] فياض, م. (2008). ظهيرة
ساخنة جداً.. القصة الحقيقية لمقتل السيد عبد المجيد الخوئي [ebook
version]. معهد الخوئي، ص. 125. https://alkhoei.com/pictures/ImamKhoei/Osrateh/majidKhoei-zahireSakhene-PDF.pdf
[15] Anderson, J.
L. (2004, April 25). The uprising_Shia and Sunnis put aside their differences. The
New Yorker. https://www.newyorker.com/magazine/2004/05/03/the-uprising
تعليقات
إرسال تعليق