قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة الأخيرة (17) – هل خسر العراقيون الخوئي؟

 قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة الأخيرة (17) – هل خسر العراقيون الخوئي؟

سأحاول في هذه الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة الإجابة عن السؤال الآتي: ماذا لو لم يقتل الخوئي؟ كيف سيؤثر الخوئي على عراق ما بعد سقوط نظام صدام؟ لقد كان الخوئي ينوي المكوث في العراق ما يقارب الثلاثة أشهر تقريباً (لا تزيد عن مئة يوم)، وبالرغم من كونها مدة قصيرة جداً إلا إنها كانت الحاسمة في تحديد مسار العراق للسنوات (وحتى العقود) التي تلت الحرب. هذا المسار لم يكن ناعماً منعماً كما وعد الرئيس الأمريكي جورج بوش قبيل الحرب بأنه سيبني عراق مزدهر وحر،[1] وإنما العكس من ذلك تماماً، عراق يمزقه التعصب الطائفي والاثني والولاء لغير الوطن.

في البدء لابد من أن أشير بأننا حتى لو افترضنا بأن الخوئي لم يقتل يوم 10/4/2003 فأنه سيقتل في اليوم الذي يليه أو في يوم آخر خلال نفس الأسبوع. لقد كان الخوئي يمثل حجر عثرة في طريق المشروع الإيراني وكان لابد من التخلص منه. وبذات الوقت لن يستطيع الامريكان تقديم حماية مباشرة له لأنه سيرفضها. لقد سعى الخوئي لاستعادة شعبيته وقوة تأثيره في المدينة التي فارقها منذ أكثر من عشر سنوات، وإن ملازمته المستمرة للقوات الأمريكية سوف تؤثر سلباً عليه، لذلك كان يفضل التحرك بمعزل عن القوات الأمريكية. هذه الفجوة الأمنية منحت طهران الحرية في اختيار الزمان والمكان والجهة المنفذة للاغتيال، وفي النهاية اختارت الظروف والسيناريو الأكثر ملائمة لمشاريعها المستقبلية والذي أتضح بأنه كان الأكثر وحشية ودموية.

لقد مرّ العراق بعد سقوط نظام صدام عام 2003 بسلسلة من الخطوات الكارثية أدت في نهاية المطاف الى اقتتال طائفية وصل ذروته عام 2006 بعد تفجير المراقد المقدسة في سامراء. سأناقش هنا ثلاث خطوات رئيسية وهي كل من 1) اجتثاث البعث؛ 2) حل الجيش؛ 3) الطائفية. وفي النهاية سأناقش الدور الذي كان من الممكن أن يلعبه الخوئي فيها.

قراران مشؤومان: اجتثاث البعث وحل الجيش

أتخذ بول بريمر الحاكم المدني على العراق الذي ترأس سلطة الائتلاف المؤقتة Coalition Provisional Authority قرارين خطيرين: القرار 1 بتاريخ 16/5/2003 الخاص باجتثاث البعث؛ والقرار 2 بتاريخ 23/5/2003 الذي أشتمل على حل الجيش العراقي[2]. لم تكن هذه القرارات مخطط لها مسبقاً قبل الحرب، بل إن مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الانسانية Office for Reconstruction and Humanitarian Assistance الذي سبق تشكيل سلطة الائتلاف المؤقتة وكان برئاسة الجنرال المتقاعد جاي غارنر[3] Jay Garner كان يعمل عكس هذا التوجه تماماً.

لقد اشتملت خطة جانر على اجتثاث هادئ للبعثيين، حيث يقومون باستدعاء جميع الموظفين المنتمين لحزب البعث باستثناء أعلى هرم القيادة، ثم يبدؤون بإبعاد العناصر السيئة بمرور الوقت بالاستناد الى أسباب موضوعية محددة (مثل ارتكابهم لجرائم ضد الإنسانية) وليس لمجرد انتمائهم الحزبي، وهذا الذي فعله جانر في مختلف الوزارات قبل وصول بريمر.[4]

أما ما يخص الجيش العراقي فلابد أن نرجع قليلاً الى ما قبل اندلاع الحرب، لقد كان ضباط الجيش العراقي يعلمون بأن الحرب قادمة وأنهم سوف لن يخرجوا منها منتصرين، لذا خطط بعضهم لما بعد الحرب. لقد قاموا خلسة بأخذ حواسيب وأقراص وملفات من وزارة الدفاع الى بيوتهم وهي أعمال عقوبتها الإعدام في نظام صدام، الهدف كان الحفاظ على مستقبل مؤسستهم من التدمير والسلب.[5] خلال الحرب قام الأمريكان بنشر منشورات دعائية بالإضافة الى رسائل صوتية عبر اللاسلكي الى قادة الوحدات مفادها "اسحبوا وحداتكم واذهبوا الى المنزل وسيكون لكم دور ومعاملة تفضيلية لما بعد الحرب"، لذا فأن ضباط الجيش لم يكونوا يرون أنفسهم كجيش منهزم وإنما جيش متعاون، وكانوا يتوقعون من الأمريكان أن يلتزموا بكلمتهم.[6]

بعد الحرب ذهب مجموعة من الضباط العراقيين الى الجانب الأمريكي، وطرحوا سؤالين: السؤال الأول هو من يقوم بتأمين حدود بلدنا؟ سبب السؤال هو لكونهم قد قاتلوا إيران لثمان سنوات وكانوا يعلمون جيداً مكمن الخطر الأكبر على العراق. السؤال الثاني هو كيف سنعتني بجنودنا وعائلاتهم؟[7] لقد كان الأمريكان يخوضون نقاشات في كيفية توظيف عناصر الجيش العراقي وكانت الآراء تركز على استخدامهم لحماية الحدود بين العراق وإيران فضلاً عن استخدامهم في فرض الأمن الداخلي.[8]

بعدها قام العقيد بول هيوس Paul Hughes بالأشراف على أعادة تشكيل الجيش العراقي، لقد كان الضباط العراقيون مهتمون بالمساعدة في إعادة استقرار وبناء العراق وبذات الوقت يأمنون احتياجات جنودهم وعوائلهم. واستطاع ضباط الجيش العراقي حتى منتصف مايو / حزيران 2003 من جمع 137 ألف توقيع لغرض إعادة الجيش، أي ما يعادل ثلث الجيش العراقي. إذ كانوا يقومون بأنفسهم بتوزيع استمارات التسجيل ولم يطلبوا أي أموال من الأمريكان في تلك الفترة.[9]

لقد كان قرار بول بريمر بحل الجيش صادم للعراقيين، لقد شعر ضباط الجيش بالإهانة، فبعد أن كانت الخدمة في الجيش مرموقة في المجتمع، الآن فقدوا ماء وجههم بهذا القرار وبذات الوقت لم يكونوا قادرين على إعالة عوائلهم.[10] يذكر العقيد بول هيوس بأنه كان قد أبلغ ضباطه باعتقال أي جندي عراقي ضمن الـ 137 ألف الموقعين في حال ثبوت تورطه بهجوم على الجيش الأمريكي، لكنه فقد مصداقيته بعد أن صدر قرار الحل، وبالفعل في نهاية شهر مايو / حزيران تعرضت عربتين هامفي لكمين وقتل جنديان وهذه كانت بداية المقاومة العراقية.[11]

كذلك بدء ظهور استخدام العبوات الناسفة لاستهداف الأمريكان، وعند اعتقال الأمريكان لمجموعة كانت تعد لكمين، سأل رقيب أمريكي أحد المنفذين: أليس أنت نفس الشخص الذي باعني شراب الكولا على جانب الطريق قبل أسبوعين، فأجابه: "نعم، أنا ملازم في الجيش العراقي، وقد صدقتكم عندما قلتم لنا بأننا سنكون جزء من العراق الجديد لخدمة العراق وليس صدام، لقد انسحبنا لأننا وثقنا بكم، لكن الآن تصفوننا بالبعثيين والجبناء وجنودي جاؤوا لي وقالوا لن نثق بك، لقد جلبت العار لنا ولا يمكننا الوثوق بالأمريكان، يجب أن نقاتلهم لنستعيد شرفنا، لهذا السبب نحن هنا لنقاتلكم".[12]

 لست هنا لاستعراض من قام باتخاذ قرار اجتثاث البعث وحل الجيش وكيف جرت العملية،[13] وانما سأحاول عرض الأسباب التي دفعت الامريكان بهذا الاتجاه واصرار بول بريمر على إمضاء القرارين بالرغم من المعارضة الشديدة لجارنر وفريقه حتى إن بول بريمر أجابه قائلاً "الأوامر التي وصلتني هي أن أنفذ هذا الأمر" وعندما ذكر له جارنر بعدم إمكانية حل وزارة الداخلية[14] لأن جميع الشرطة في هذه الوزارة، أجابه بريمر "اذاً أذهب الى والتر سلوكوم Walter B. Slocombe وأخبره بأننا لا يمكننا ذلك"،[15] سكولوم كان نائب وزير الدفاع الأمريكي جاء الى بغداد في 15/5/2003 وغادر في 23/5/2003 مباشرة بعد قرار حل الجيش،[16] ويظهر بأنه جاء خصيصاً لمتابع تنفيذ بريمر للأوامر. كما يظهر بأن استبدال جارنر ببريمر حدث لأن وزير الدفاع رامسفيلد يعلم بأن جارنر كان سيرفض حل الجيش واجتثاث البعث لذا جاء بمن ينفذ الأوامر ولا يناقش، علماً بأن كلاهما كانا من اختيار رامسفيلد وليس الرئيس جورج بوش.[17] تجدر الإشارة هنا الى أن خامنئي في 12/4/2003 قد أعترض على قرار تعيين جارنر واصفاً القرار بأنه "عدوانا على الاسلام والمسلمين" وقال "إن العراقيين لم يتخلصوا من دكتاتورية صدام ليقعوا تحت دكتاتورية اميركي أكبر منها"،[18] والمؤكد إن ساسة الشيعة المقربين من طهران ويمثلون صدى لها أبدوا اعتراضاً مماثلاً.

لقد كان جانر يعمل بالطريقة التي يراها مناسبة ولا يتقبل أن يملي عليه أحد ما يجب فعله، فمثلاً أبدى اعتراضاً شديداً قبيل الحرب عندما طلب منه رامسفيلد ان يكون جميع الوزراء (الذي سيديرون الوزارات العراقية بعد سقوط النظام) من وزارة الدفاع في الوقت الذي شكّل فيه جارنر فريق من مختلف المؤسسات الامريكية وكانت سياسته جلب أفضل الكفاءات والخبرات من مختلف الوزارات الأمريكية.[19] كذلك لم يكن جارنر يكيل وزناً وأهمية لقيادات المعارضة، فمثلاً أبدى اعتراضاً على أن يكون عبد العزيز الحكيم ضمن تشكيلة الحكومة المؤقتة القادمة واصفاً إياه بكونه إيراني جداً إلا إن جلال الطالباني أقنعه بقبوله قائلاً "من الأفضل أن يكون في داخل الخيمة على أن يكون في خارجها".[20] كما كان جارنر معروف بكرهه لأحمد الجلبي.[21] لقد حاول أحد الأمريكان العاملين في مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية جاهداً أن يقوم جارنر بالتواصل مع السيستاني، لكن جارنر لم يكن مهتماً وقال "لماذا؟ من هذا الشخص؟".[22] الأغرب من ذلك بأنه في منتصف شهر مايو / حزيران 2003 أخبر موفق الربيعي جانر بأن السيستاني بطلب مقابلته لمناقشة قضايا الحكومة في العراق، إلا جارنر رفض ذلك ولم يحصل اللقاء. [23]

لماذا أتخذ بريمر هذين القرارين؟

لقد مارست قوى المعارضة المرتبطة بإيران ضغوطاً على أمريكا قُبيل الحرب من أجل اجتثاث البعث وحل الجيش، كذلك قبل بدء الحرب أجرى زلماي خليل زاد Zalmay Khalilzad لقاءات مع سفير إيران في الأمم المتحدة محمد جواد ظريف، وحينها طالب ظريف باجتثاث البعث وإعادة بناء المؤسسات الأمنية بعد سقوط النظام وهي ذات المطالب التي كان ينادي بها عبد العزيز الحكيم وغيره من قيادات المعارضة العراقية المقربة من إيران.[24]

المخرج والمنتج الأمريكي Charles Ferguson قام بإجراء العديد من المقابلات[25] مع المسؤولين في سلطة الائتلاف المؤقتة ووجد بأن الذي أصدروا هذا القرار كانت لهم أربعة أسباب: 1) الجيش حلّ نفسه؛ 2) البُنى التحتية للجيش كانت مهدمة أو تعرضت للنهب؛ 3) الجيش كان فاسد ومؤلف من مجندين شيعة ساخطين وهم تحت قيادة ضباط مُسيسين؛ 4) المجتمع الشيعي وبالخصوص آية الله السيستاني لن يقبل استدعاء الجيش العراقي.

عند التدقيق في الأسباب التي وردت فسنجد بأن السبب الأول كذبة لأن الجيش أنسحب ولم يحل نفسه كما تم توضيح ذلك في الفقرة السابقة. أما بالنسبة للسبب الثاني فلم يكن مبرراً لأن الضباط العراقيون أخبروا الجانب الأمريكي بأنهم مستعدين لنصب خيام والعيش في الصحراء إذا لزم الأمر؛[26] أما السبب الثالث فلو كان الجنود ساخطين فعلاً فلماذا يوقع 137 ألف جندي للعودة للجيش؟ أما كون الجيش مسيس فأن الأمريكان قاموا بتحليل بيانات الجيش ووجدوا بأن معظم الجيش لم يكن بعثياً حتى الوصول الى رتبة لواء، واللذين برتبة لواء نصفهم لم يكن منتمياً لحزب البعث.[27]

بقي السبب الرابع وهو المبرر الفعلي، إذ يذكر بول بريمر ذلك قائلاً: "كلا الاكراد والشيعة أخبرونا بأن استدعاء الجيش سيمثل نهاية لتعاوننا، الاكراد[28] هددونا بالانسحاب كلياً لو أستدعينا الجيش القديم لأنه قتل مئات الآلاف من الاكراد. اما الشيعة فكانوا يتعاونون معنا، آية الله السيستاني أخبرهم بأن يتعاونوا مع الاحتلال، كان لدينا الاكراد والشيعة والذين يمثلون 80%[29] من السكان، يعملون معنا ويطلبون عدم استدعاء الجيش القديم. وبناءً عليه كان استدعاء الجيش القديم خياراً غير عملي سياسياً".[30]

مما ذكره بريمر نستنتج قيام سياسيو الشيعة والأكراد بممارسة ضغط (لوبي) على الامريكان لحل الجيش العراقي. لقد كان مسعود برزاني وجلال الطالباني كلاهما يمتلكان قاعدة شعبية في المجتمع الكردي فهما يقودان الحزبان اللذان يسيطران على اقليم كردستان منذ عام 1991. لكن هكذا قاعدة شعبية لم تكن متوفرة لدى سياسيو الشيعة الذي جاؤوا من المنفى والمُقربين من إيران (مثل المجلس الأعلى وحزب الدعوة والمؤتمر الوطني العراقي بقيادة أحمد الجلبي) فهؤلاء ليس لديهم قاعدة شعبية في الداخل العراقي ولا يكاد يعرفهم معظم الشعب العراقي. لقد كان المؤثر الحقيقي في الـ 60% من الشيعة هو المرجع الأعلى السيد السيستاني الذي يقلده معظم الشيعة[31] ولهذا السبب سنجد بأن سياسيو الشيعة المقربين من إيران انضووا تحت القائمة التي شكلها السيستاني في أول انتخابات في يناير 2005. كذلك يؤكد البروفيسور دان كالدويل Dan Caldwell بأن قادة الشيعة خصوصاً آية الله السيستاني عارضوا إعادة تشكيل الجيش العراقي.[32]

أما ما يخص اجتثاث البعث فموقف السيستاني كان واضحاً، ففي 18/4/2003 أصدر مكتب الارتباط بمرجعية السيستاني في لندن بياناً عن المرجعية موجهاً لجميع العراقيين يتكون من عشرة نقاط، وقد اشارت النقطة الثالثة الى "التحذير من خطر تسلل عناصر حزب البعث الى المناصب الحكومية".[33] كذلك يذكر البروفيسور جون أجريستو John Agresto الذي عمل مستشاراً لسلطة الائتلاف المؤقتة في مجال التعليم العالي بأن الأمريكان كانوا يخيرون أنفسهم بين المحافظة على دعم السيستاني وبقية الشيعة (يقصد المُقربين من إيران) أو الإبقاء على الموظفين المنتمين الى حزب البعث،[34] وفي النهاية رضخ الأمريكان لإرادة السيستاني الذي ظل متمسكاً برأيه في إبعاد البعثيين حتى إنه في 2007 عندما أقر رئيس الوزراء المالكي ورئيس الجمهورية مشروع قانون يخفف من حدة اجتثاث البعث فأن أحمد الجلبي (كان رئيسا لهيئة اجتثاث البعث) ذكر بأن السيستاني يعارض مشروع القانون،[35] في اليوم التالي وكمحاولة لتقليل الاضرار ذكر مساعد للسيستاني في النجف (لم يُذكر أسمه): "مكتب السيستاني رفض استبدال القانون لإنه ليس مطلبا عراقيا إنما هو مطلب سياسي لإرضاء بعض الأطراف"،[36] بعدها بيومين خرج حامد الخفاف (المتحدث باسم السيستاني) لينفي الموضوع الذي بدء يسبب ضرر لسمعة المرجع برمته.[37]

الطائفية

في 13 يوليو / تموز 2003 قامت سلطة الائتلاف المؤقتة التي يرأسها بول بريمر بتأسيس مجلس الحكم ليعمل كحكومة مؤقتة (بصلاحيات محدودة) بالإضافة لكونه يقدم المشورة لسلطة الائتلاف المؤقتة، لقد قام بريمر بوضع تشكيلة طائفية اثنية لمجلس الحكم المؤلف من 25 عضو، إذ تألف من 13 من الشيعة، 5 من السنة، 5 من الأكراد، تركماني واحد وآشوري واحد.[38] والغريب بأن حميد مجيد موسى رئيس الحزب الشيوعي العراقي أحتسبه بريمر على أساس كونه شيعي بالرغم من أن الشيوعيين متجردين من الانتماءات الدينية.[39]

لقد كانت تشكيلة المجلس تضمن للشيعة الحصول على أغلبية بسيطة في أي قرار يتخذ، لكن لم يكن الجميع منصهراً ضمن هذا التوجه الطائفي. في 16/9/2003 تعرضت عقيلة الهاشمي لاغتيال أمام بيتها في بغداد، لقد كانت الهاشمي في النظام السابق مسؤولة العلاقات الدولية في وزارة الخارجية، وكانت تتمتع بتوجه وطني يجعلها دائماً ما تخالف بقية الأعضاء الشيعة في الرأي والتوجه. بعد الاغتيال ذهب عدد من الأعضاء الشيعة يطلبون من بريمر وضع سلامة الخفاجي كبديل، وبالتالي أصبحوا يضمنون صوت العضو البديل.[40]

وفي خطوة نحو تكريس الطائفية قام بعض الأعضاء الشيعة على رأسهم أحمد الجلبي بتأسيس ما يسمى بـ "البيت الشيعي"، إذ يذكر الدكتور اياد علاوي: "في مرحلة مجلس الحكم وفي بداياتها، قررت للأسف مجموعة من الاخوة في مجلس الحكم تكوين ما أطلقوا عليه تسمية ((البيت الشيعي)) هذا التشكيل ربما كان من باكورة الاجراءات لتعزيز الوضع الطائفي في العراق، تحدثت مع المرحومين أحمد الجلبي وعبد العزيز الحكيم وسماحة السيد محمد بحر العلوم بأن الوقت غير مناسب لهذا الامر (البيت الشيعي)، لكن الجلبي قال لي ان هذا التشكيل هو رأي المرجعية (يقصد السيستاني)".[41] كذلك فقد حذر فيصل الاسترابادي (نائب عدنان الباجه جي) من تبعات تشكيل البيت الشيعي قائلاً: "إذا انتهينا باندلاع حرب أهلية فسيكون في سلسلة المسببات هو تأسيس البيت الشيعي".[42]

لقد كانت أهم وظائف البيت الشيعي توفير آلية حيوية في توصيل الرسائل من وإلى مرجعية السيستاني التي كانت تأتيها التحديثات بشكل يومي وربما في كل ساعة.[43] تجدر الإشارة هنا الى إن بول بريمر قد وضع عضوين في مجلس الحكم بناءً على علاقتهم بالسيستاني وهم كل من السيد محمد بحر العلوم والدكتور موفق الربيعي وكلاهما يمثلان قنوات للاتصال بالسيستاني في مرحلة مجلس الحكم.[44]

لم تتوقف الخطوات الطائفية هنا بل ازدادت بشكل أعمق، إذ يروي عطا عبد الوهاب (كان ينوب عن عدنان الباجه جي في بعض جلسات مجلس الحكم) "إن حسين الشهرستاني (مُقرب من السيستاني) جاء الى عدنان الباجه جي وأخبره بأن السيستاني يرى أن على الباجه جي أن يؤسس مرجعية سنية". ويظهر بأن الباجه جي الذي كان مؤمناً بالعلمانية لم يبدي اعتراضاً على هذا التوجه، ففي ربيع عام 2004 لم يعترض عندما طلب منه حارث الضاري رئيس رابطة علماء المسلمين أرساله الى بعض الجهات السياسية بصفته ممثلاً للسنة.[45]

قُبيل أول انتخابات بعد سقوط النظام والتي جرت في يناير / كانون الثاني 2005 قام السيستاني بتشكيل لجنة سداسية أبرز أعضائها حسين الشهرستاني وكانت مهمتها تهيئة قائمة انتخابية عرفت لاحقاً بأسم "الائتلاف العراقي الموحد" ذات الرقم 169 ورمزها الشمعة.[46] أبرز ما تضمنته القائمة: حزب الدعوة؛ المجلس الأعلى؛ منظمة بدر، بالإضافة الى مستقلين (تابعين الى السيستاني[47]) يرأسهم حسين الشهرستاني، كذلك ضمت القائمة أربعة ممثلين للسيستاني وهم كل من السيد أحمد الصافي والسيد علي عبد الحكيم الصافي والسيد حبيب الخطيب والسيد عبد الهادي الحكيم. ترأس هذه القائمة عبد العزيز الحكيم الذي بلغت به العمالة حداً أن يطالب العراق بتعويض إيران 100 مليار دولار عن الحرب العراقية – الإيرانية وذلك عندما كان رئيساً لمجلس الحكم.[48] كذلك سعى السيستاني الى ضم أياد علاوي الى قائمته، إذ يذكر علاوي:

"جاءني السيد عبد العزيز الحكيم ... وقال لي: ارسلني اليك ((السيد)) (طبعا هو يقصد السيد السيستاني) فأجبت السيد الحكيم: اي خدمة أستطيع أن أقدمها لسماحته؟ قال: لا يحتاج الى اي شيء لكن يريدنا ان نشكل كتلة من الشيعة لخوض الانتخابات، كان رحمه الله جاداً وواضحاً في كلامه، فقلت له: أخي أبا عمار، هذا لا يجوز، الان لم يعد الشيعة مهمشين فلماذا تفتح هذا الباب علينا وعلى العراق؟ أجابني بانه سيكون لي ثلث القائمة وللمجلس الاعلى الثلث الاخر من القائمة وللأخرين من اعضاء حزب الدعوة والصدريين والفضيلة الثلث الاخير. فأجبته: لا يمكنني ان أدخل الى أو أروج او أدعم توجهات مبنية على تسييس الدين والمذهب، جرى حوار طويل معه حول مخاطر هذا الامر وحذرته وذكرته بان بيت والده المرحوم السيد محسن الحكيم كان جامعا لكل العراقيين ولم يكن هناك تمييز فلماذا نبدأ نحن هذا الامر، يجب الا نفكر بالمظلومية وعلينا ان نعمل على المسارات الوطنية واعلاء المواطنة، فأجابني المرحوم السيد الحكيم بقوله: ان سماحة السيد السيستاني كان قد ذكر - ونحن نثني على ما قاله - بأنك - والكلام موجه لي - أجدت في رئاسة الوزراء، ولابد ان تستمر".[49]

بعد ذلك دفع السيستاني بكل ثقله للترويج لقائمة الائتلاف ومعتمداً على شبكة وكلاءه الذين بلغ بهم الاستهتار بعقول الناس أن يهددوا من لا ينتخب هذه القائمة المشؤومة بنار جهنم وتحريم زوجته.[50] لم يكتفي السيستاني عند هذا الحد بل أفتى مرة ثانية في انتخابات ديسمبر / كانون الأول بوجوب المشاركة في الانتخابات مع تجنب تشتيت الأصوات وتعريضها للضياع، وهذه إشارة مبطنة لدعمه للقائمة الكبيرة (قائمة الائتلاف العراقي الموحد 555).[51] لقد كان السيستاني يحرص على الاستمرار بوحدة الائتلاف الشيعي حتى أنه في ديسمبر 2006 رفض محاولة لبعض الساسة المعتدلين إنشاء تحالف عابر للطوائف وقال لهم: "لا أوافق على أي تحالف يمزق الائتلاف العراقي الموحد".[52]

لقد كان الهدف الأساس للسيستاني من دعم قائمة الائتلاف هو الاسهام في كتابة دستور يضمن مكاسب تاريخية للمرجعية، حيث زج بوكلائه في لجان كتابة الدستور مثل السيد أحمد الصافي الذي ترأس اللجنة الفرعية الأولى المعنية بالمبادئ الأساسية.[53] أبرز المكاسب التي حققها السيستاني في الدستور تمثلت في استقلالية الأوقاف والعتبات والتي مهدت لتشريع قوانين اشترطت موافقة المرجع الأعلى (السيستاني حالياً) في تعيين مدير ديوان الوقف الشيعي وأمناء العتبات. كذلك وضع الإسلام كمصدر أساس للتشريع مع عدم جواز سن قانون يتعارض من ثوابت أحكام الاسلام (أي يتعارض مع فتاوى المرجع[54]). كما زج الدستور بخبراء في الفقه الاسلامي في المحكمة الاتحادية وقد حاول السيستاني أن يفرض فيتو لهؤلاء الخبراء في قانون المحكمة الاتحادية لكن لم ينجح.[55] وبعد أن ضمنت القوى التي كتبت الدستور (السيستاني والاكراد ووكلاء إيران) مكاسبها عمدت الى إقفال إمكانية التعديل عبر وضع شروط معقدة للتعديل فأصبح دستور العراق الدائم جامداً من الناحية العملية.

يصف الخبير في القانون الدستوري الدكتور رعد ناجي الجدة الدستور العراقي بالكارثة،[56] وذلك لكونه دستور يتعامل مع العراقيين على أساس طوائفهم وليس على أساس المواطنة، فهو دستور يفرق العراقيين بدلاً من أن يوحدهم، وأبرز مؤشر على فشله هو أنه لم يمضي على إمضاءه بضعة أسابيع حتى اندلع الاقتتال الطائفي. تجدر الإشارة أيضاً الى أن هذا الدستور لم يكن ليمضي لولا فتوى السيد السيستاني بوجوب التصويت له بنعم.[57]

التبعات

كان حزب البعث هو الحزب الوحيد في العراق حيث قام بتصفية الساحة السياسية من أي أحزاب أو معارضين. وبالرغم من أن اجتثاث البعث قد أزال عقبة كبيرة من أمام سياسيو المنفى، إلا انهم لم يكتفوا بذلك، خصوصاً وأنهم كانوا بدون قاعدة شعبية وكان العراقيون ساخطين عنهم نتيجة دعمهم للحصار ولعقوبات الأمم المتحدة على العراق، فمثلاً كان التلفزيون العراقي الرسمي يعرض تصريحات لأحمد الجلبي وهو يجلس مستريحاً في شقته وسط لندن، وهو يطالب الولايات المتحدة والأمم المتحدة بضرورة استمرار العقوبات وإجراءات الحصار، بينما العراقيون كانوا يتضورون جوعاً ويبحثون عن الحليب لأطفالهم.[58] لذا اعتمد سياسيو المنفى استراتيجية تهدف للتخلص من جميع المنافسين المحتملين لهم في حال اجراء انتخابات ولم يكتفوا باجتثاث البعث وحل الجيش. لذا بمجرد سقوط بغداد بدأوا باستخدام الجنود الأمريكان في مداهمة منازل المواطنين في ساعات ما بعد منتصف الليل لاعتقال البعثيين، المعلمين، القضاة وكبار الموظفين.[59]

لقد كان قرار الاجتثاث الذي وقعه بريمر يستهدف عدد يتراوح بين 35 ألف الى 50 ألف، لكن هيئة اجتثاث البعث التي كان يرأسها أحمد الجلبي عملت على اجتثاث مئة ألف.[60] وقد استمرت الهيئة باستهداف المنافسين فمثلاً في انتخابات 2010 قامت هيئة اجتثاث البعث باستبعاد 511 مرشح معظمهم من عراقيو الداخل.[61] لقد أدى قرار الاجتثاث الى شلل في الدولة العراقية لكون الكثير من الكفاءات والخبرات كانوا منتمين لحزب البعث خصوصاً في المستويات الأربعة الأولى من الحزب وفي غالب الأحيان كان انتماءهم بالإكراه.

أما قرار حل الجيش فقد شمل 385 ألف عضو في القوات المسلحة وعند إضافة بقية المؤسسات الأمنية فسيكون المجموع 720 ألف، إذا أخذنا بنظر الاعتبار متوسط عدد أفراد العائلة البالغ ستة أشخاص فسيكون العدد الكلي للمتأثرين بهذا القرار يتجاوز 4 مليون وبما يعادل 17% من مجموع سكان العراق.[62] فبقرار واحد خلق الأمريكان 4 مليون عدو لهم، بالإضافة إلى تفويت فرصة استخدامهم في بسط الأمن وحماية الحدود العراقية من إيران. وهذا ما خلق فجوة أمنية سمحت باستفحال المليشيات ودخول تنظيم القاعدة تحت ذريعة مقاومة الأمريكان.

في لقاء جرى بين زلماي خليل زاد ومحمد جواد ظريف قبل بدء الحرب، جرى الحديث عن الإرهاب وعندها طالب ظريف من الأمريكان تسليم قيادة مجاهدي خلق الى إيران بعد انتهاء الحرب، فأجابه زلماي بأن الامريكان سوف ينتزعون أسلحتهم لكن لن يسلموهم الى إيران. ثم أثار زلماي موضوع تواجد قادة تنظيم القاعدة الإرهابي في إيران بضمنهم نجل أسامة بن لادن، حينها لم يعطي ظريف إجابة واضحة لكن لمح بإمكانية استبدال قادة مجاهدي خلق بقادة القاعدة.[63] على رأس قادة تنظيم القاعدة الذين تحتضنهم إيران كان أبو مصعب الزرقاوي وكان لاجئاً في إيران لمدة 14 شهر ثم أرسلته إيران هدية للشعب العراقي في منتصف عام 2002. [64] ولم تنقطع علاقة الزرقاوي بإيران فمثلاً عندما قامت إحدى فصائل المقاومة (تسمى بـ الجيش الإسلامي العراقي) في عام 2004 بخطف القائم بأعمال السفارة الإيرانية، كان الوسيط لإطلاق سراحه هو الزرقاوي.[65]

يذكر السياسي فائق الشيخ علي ما يأتي بخصوص أرسال إيران القاعدة للعراق: "حصلت مقابلة لي مع نائب رئيس الجمهورية وهو السيد محمد علي ابطحي في اواخر 2003 (تحديدا في الشهر العاشر)، سألته: لماذا تدخلون القاعدة الى العراق. فأجابني وقال: نحن كحكومة ضد هذا العمل ولكن القرار ليس منا وإنما من جهة أعلى. يقصد بأنه هو ورئيس الجمهورية محمد خاتمي ليس مع ادخال القاعدة الى العراق وإنما القرار بيد السيد الخامنئي الذي يوعز للحرس الثوري الايراني الى العراق. فقلت له: ولكن القاعدة تقتل العراقيين، أنتم تقولون إننا شيعة والذين يذبحون في العراق الآن شيعة فيكف؟ فسكت محمد علي ابطحي واشار بيده الى الأعلى، أي بما معناه ان القرار ليس بيدنا فلا تعتب علينا نحن الحكومة وانما اعتب على السيد الخامنئي".[66]

قُبيل أول انتخابات في العراق حذر السياسي غسان العطية من إن انتصار القائمة الشيعية (يقصد قائمة الائتلاف العراقي الموحد ذات التسلسل 169) هو ضمان لحصول الحرب الأهلية.[67] وقد حصل ما كان يخشاه العطية، إذ استلم باقر جبر صولاغ وزارة الداخلية وكان يكنى بوزير الحرب الأهلية، وأول شيء فعله هو أدخال مجاميع مليشيا منظمة بدر الى وزارة الداخلية لتشكل فيما عرف لاحقاً بفرق الموت التي كانت تقتل وتعتقل وتعذب السنة، في الوقت الذي كانت فيه القاعدة تستهدف الشيعة ليبدأ الاقتتال الطائفي الذي وصل ذروته عند تفجير المراقد المقدسة في سامراء.

هل كان الخوئي قادراً على قلب الطاولة؟

لقد كان السيد عبد المجيد الخوئي يعتزم دعوة العراقيين لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مبنية على مبدأ " عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ" وذلك عبر إجراء مصالحة مع البعثيين، والذريعة التي استخدمت لقتله كانت حمايته لحيدر الكليدار الذي كان بعثياً وكان الخوئي يريد إرجاعه الى عمله السابق. بالتالي فأن الخوئي سيكون أول المعارضين لخطة اجتثاث البعث. أما يخص حل الجيش فأن من بين مرافقي الخوئي كانوا ضباط وجنود في الجيش السابق، بل أكثر من ذلك حاول الخوئي قبيل الحرب الاتصال بالرائد صباح الحمداني وهو ضابط متقاعد كان يعمل في مديرية الآمن العامة ليكون ضمن فريقه الذاهب للنجف لكن لم يحصل ذلك لكون الحمداني كان في سوريا حنيها مع مشروع آخر للفريق نزار الخزرجي. لقد كان الخوئي ينتسب الى الخط الاسلامي المعتدل وكان دائم النشاط في المشاركة بمؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية وكان يعتزم فتح معاهد دينية لبقية المذاهب في مدينة النجف. ولذا فأن الخوئي سيكون بالمواجهة أمام أي مشروع طائفي في العراق.

لكن كيف سيستطيع الخوئي منع الانزلاق نحو الخطوات الثلاث الكارثية (اجتثاث البعث، حل الجيش والطائفية)؟ لقد اعتمدت القوى التي دفعت باتجاه هذه الخطوات على استخدام ورقة السيستاني كرافعة Leverage، أي قاموا باستغلال تأييد السيستاني لتعظيم تأثيرهم على الأمريكان الذين استجابوا لهم ولم يكن الامريكان مستعدين للتضحية بالسيستاني الذي أفتى لأتباعه بالتعاون مع الأمريكان، فلولا السيستاني لما مررت هذه الخطوات.

لقد كان أهم أهداف الخوئي تأسيس ما سماه "المجلس الشيعي العراقي" والهدف من المجلس هو فرض سيطرة واشراف على مرجعية النجف، لقد كان الخوئي يمتلك القدرة على فرض سطوته على مرجعية السيستاني فهو الذي استحصل فتوى السيستاني التي دعت للتعاون مع الأمريكان وفي اليوم التالي عندما لم يجد الخوئي السيستاني في منزله هدد نجله (محمد رضا) بإمكانية استبدال والده إذا لم يستجب له. لقد كان الخوئي قادراً على فرض قيد على السيستاني يمنع جموحه نحو مشاريع دمرت العراق ويمنع استخدامه من قبل إيران لتمرير مشاريعها. فقد جاء الخوئي للنجف محاولاً إعادة بناء قاعدته الشعبية وقوة تأثيره في حوزة النجف ومنع استفحال مرجعية السيستاني بشكل يخرج عن سيطرته.

فيما يخص التأثير المحتمل للخوئي على الساحة السياسية فأنه لم يخطط للمشاركة السياسية لكن لو نجح بمنع حل الجيش واجتثاث البعث، فأن ذلك سوف يخلق ظروف أمنية مواتية تسمح ببروز قيادات وطنية من داخل المجتمع العراقي وتسمح ببروز الكفاءات الاكاديمية من الجامعات العراقية لتأخذ دورها بدلاً من تعرضها لعمليات الخطف والاغتيال وهدر الدماء. أما بالنسبة للمكاسب التي كان من الممكن أن يحصل عليها الخوئي، فمن المرجح حصوله (هو ومؤسسة الخوئي الخيرية التي يرأسها) على دور مهم يثبت في الدستور أو القوانين في الاشراف على المرجعية والعتبات المقدسة ضمن إطار المجلس الشيعي العراقي الذي خطط له.

البعض قد يعترض قائلاً بأن المجلس الشيعي العراقي سيكون هو الآخر مؤسسة طائفية كما توحي تسميته. إلا ان عبد المجيد الخوئي أكد بأن هذا المجلس لن يمارس عملاً سياسياً أو حزبياً وسيقتصر عمله بما يخص الحوزة والعتبات.[68] ويرى كاتب السطور وجود مؤسسة رسمية واضحة في مهامها وواجباتها ولا تتدخل بالسياسة أفضل بكثير من اللارسمية[69] Informality التي أعتمدها السيستاني كأساس في عمل مرجعيته ومن خلالها يحرك خيوط العملية السياسية من خلف الكواليس وتجعل منه صاحب حق الفيتو في اختيار رئيس الوزراء.

سأختم هذه السلسلة من قصة عبد المجيد الخوئي بما ذكرته في بدايتها، حينما سُئل الخوئي من قبل عائلته عن سبب تحمله المخاطرة في الذهاب المُبكر الى العراق، أجابهم "يجب أن أذهب لأن مخاطر عدم الذهاب أكبر".[70]



[1] Guardian staff reporter. (2003, March 18). Full text: Bush’s speech. The Guardian. https://www.theguardian.com/world/2003/mar/18/usa.iraq

[2] حل الجيش كان المؤسسة الأبرز في هذا القرار لكنه اشتمل أيضا على حل الكثير من المؤسسات مثل الحرس الجمهوري، وزارة الاعلام، المخابرات، الاستخبارات العسكرية، جيش القدس، الآمن العام، الآمن الخاص، فدائيو صدام، أشبال صدام، ديوان الرئاسة، مجلس قيادة الثورة، اللجنة الأولمبية وغيرها.

[3] تجدر الإشارة هنا الى إن كلا جارنر وبريمير تم اختيارهم من قبل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، راجع: Rudd, G. W. (2011). Reconstructing Iraq: Regime change, Jay Garner, and the ORHA story. Modern War Studies [ebook version], p. 520.

[4] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 146.

[5] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 100.

[6] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, pp. 183, 214.

[7] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 182.

[8] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 97.

[9] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, pp. 178, 180.

[10] Khalilzad, Z. (2016). The Envoy: From Kabul to the White House, my journey through a turbulent world. St. Martin’s Press [ebook version], p. 302.

[11] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 184.

[12] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 185.

[13] للاطلاع على جانب من الكواليس راجع: Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK; Graff, G. M. (2023, May 5). Orders of disorder. Foreign Affairs. https://www.foreignaffairs.com/middle-east/iraq-united-states-orders-disorder

[14] بريمر وسكولوم كانوا يجهلون بأن وزارة الداخلية تضم أفراد الشرطة لان في الولايات المتحدة تشتمل وزارة الداخلية على إدارة الأراضي والموارد الطبيعية ولا علاقة لها بفرض الآمن.

[15] Rudd, G. W. (2011). Reconstructing Iraq: Regime change, Jay Garner, and the ORHA story. Modern War Studies [ebook version], p. 467.

[16] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 205.

[17] Rudd, G. W. (2011). Reconstructing Iraq: Regime change, Jay Garner, and the ORHA story. Modern War Studies [ebook version], p. 520.

[18] لندن ـ طهران: «الشرق الأوسط» والوكالات. (2003, April 12). الحكومة الإيرانية تدين اغتيال الخوئي وخامنئي يعرب عن ارتياحه لسقوط صدام. الشرق الأوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8800&article=165226

[19] Woodward, B. (2006). State of denial: Bush at war. Simon and Schuster, pp. 135-136.

[20] Rudd, G. W. (2011). Reconstructing Iraq: Regime change, Jay Garner, and the ORHA story. Modern War Studies [ebook version], p. 351.

[21] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 142.

[22] Diamond, L. (2005). Squandered victory: The American occupation and the bungled effort to bring democracy to Iraq. Macmillan, p. 35.

[23] Rudd, G. W. (2011). Reconstructing Iraq: Regime change, Jay Garner, and the ORHA story. Modern War Studies [ebook version], p. 493.

[24] Khalilzad, Z. (2016). The Envoy: From Kabul to the White House, my journey through a turbulent world. St. Martin’s Press [ebook version], p. 216.

[25] كانت هذه المقابلات هي المادة الأساس في فلمه الوثائقي "لا نهاية في الأفق No End in Sight" الذي صدر عام 2007.

[26] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 171.

[27] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 176.

[28] يقصد مسعود برزاني وجلال الطالباني كما ذكر ذلك في مقابلة أخرى: بريمر, ب. (2021, December 3). السطر الأوسط | خطة بول بريمر لتأسيس الجيش العراقي بعد سقوط صدام (م. الروقي, Interviewer) [Interview]. In YouTube السطر الأوسط. https://youtu.be/0Z35blRjRik

[29] تقديرات الأمريكان كانت تشير الى إن الشيعة يشكلون 60% من سكان العراق والاكراد 20%، راجع: Bremer, L. P. (2006). My year in iraq: The struggle to build a future of hope. Simon and Schuster, pp. 4-5.

[30] بريمر, ب. (2016, August 28). وفي رواية أخرى | الحاكم المدني الأميركي السابق في العراق بول بريمر | الجزء الأول (خ. الغرابلي, Interviewer) [Interview]. In YouTube. https://youtu.be/B1mP3_uh_Kk

[31] تُقدر نسبة مقلدي السيستاني بين الشيعة بـ 80% حول العالم. راجع: Khalaji, M. (2006, September 10). The Last Marja: Sistani and the end of traditional religious authority in Shiism. The Washington Institute for Near East Policy. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/last-marja-sistani-and-end-traditional-religious-authority-shiism

[32] Caldwell, D. (2011). Vortex of conflict: U.S. policy toward Afghanistan, Pakistan, and Iraq. Stanford University Press, p. 179.

[33] الجبوري, ك. س. (2021). آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله رجل السلام والمقاومة - الجزء الاول (الطبعة الاولى). مؤسسة المواهب للطباعة والنشر. ص. 205.

[34] Agresto, J. (2007). Mugged by reality: The liberation of Iraq and the failure of good intentions. Encounter Books, p. xii.

[37] بغداد ـ رويترز. (2007, April 5). متحدث باسم السيستاني ينفي تقارير بشأن الموقف من قانون البعث. الشرق الأوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&article=413691&issueno=10355

[38] Ismael, T. Y., & Ismael, J. S. (2015). Iraq in the twenty-first century: Regime change and the making of a failed state. Routledge, p. 90.

[39] Al-Ali, Z. (2014). The Struggle for Iraq’s Future: How corruption, incompetence and sectarianism have undermined democracy. Yale University Press, p. 77.

[40] العرب, م. (2007). مالم يذكره بريمر في كتابه. مكتبة مدبولى، ص. 51.

[41] علاوي, ا. ه. ح. (2021). بين النيران_محطات في مسيرة اياد علاوي (الطبعة الثانية). دار المدى. ص. 311-312.

[42] Roston, A. (2008). The Man Who Pushed America to War: The extraordinary life, adventures and obsessions of Ahmad Chalabi. Hachette UK, p. 284.

[43] Allawi, A. A. (2008). The Occupation of Iraq: Winning the war, losing the peace. Yale University Press, p. 205.

[44] راجع: Bremer, L. P. (2006). My year in iraq: The struggle to build a future of hope. Simon and Schuster; Rudd, G. W. (2011). Reconstructing Iraq: Regime change, Jay Garner, and the ORHA story. Modern War Studies.

[45] عبد الوهاب, ع. (2008). سيرة عمل سياسي.. بغداد - عمان (2003-2006) / فكر سياسي (الطبعة الاولى). المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص. 56.

[46] Al-Shahristani, H. (2021). ‫تجربة حياة: حسين الشهرستاني (Arabic Edition) [Kindle Android version], Location 3979. Retrieved from Amazon.com

[47] يذكر حسين الشهرستاني بأن من ثوابت النظام الداخلي لكتلة مستقلون العمل بتوجيهات المرجعية العليا. راجع: Al-Shahristani, H. (2021). ‫تجربة حياة: حسين الشهرستاني (Arabic Edition) [Kindle Android version], Location 3979. Retrieved from Amazon.com

[48] لندن ـ رويترز. (2003, December 18). الحكيم: إيران تستحق تعويضات من العراق. الشرق الأوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8800&article=208244#.YoVJtKhBxqk

[49] علاوي, ا. ه. ح. (2021). بين النيران_محطات في مسيرة اياد علاوي (الطبعة الثانية). دار المدى. ص. 369.

[50] غريب, م. م. (2005, February 10). لماذا الخوف من فصل الدولة عن الدين وفصل الدين عن الدولة ...؟. الحوار المتمدن. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=31425

[51] مكتب السيد السيستاني. (2005, December 9). إستفتاء حول الإنتخابات العراقية - الأرشيف. موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله). https://web.archive.org/web/20230514014959/https://www.sistani.org/arabic/archive/288/

[52] Munson, P. J. (2023). Iraq in Transition: The Legacy of Dictatorship and the Prospects for Democracy [Kindle Android version], Location 3109. Retrieved from Amazon.com

[53] الشكرجي, ض. (2014). ربع قرن من عمري مع الاسلام السياسي - الجزء الثاني (الطبعة الاولى). دار الحدث. ص. 191-193؛ الشكرجي, ض. (2016, April 25). ربع قرن من عمري مع الإسلام السياسي 74. الحوار المتمدن. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=514645

[54] الشكرجي, ض. (2016, September 19). مَن أسّس دولة الطائفية والمحاصصة والفساد؟. الحوار المتمدن. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=531875

[55] راجع: Al-Hilli, Dr Yousif . Ayatollah Al-Sistani in Post-2013 Iraq (p. 141). Kindle Edition; العتبة الحسينية المقدسة. (2014, July 31). السيد الصافي : يدعو مجلس النواب الإسراع بإقرار قانوني الموازنة والمحكمة الاتحادية ويحذر القيادات السياسية من خطورة الوضع الراهن. https://web.archive.org/web/20231208113220/https://imamhussain.org/1736

[56] راجع: الجدة, ر. ن. (2023). الكارثة الدستورية - دراسة في الشؤون الدستورية العراقية. دار المناهج للنشر والتوزيع.

[57] MEMRI. (2005, October 14). Ayatollah Sistani’s Representative Abd Al-Mahdi Karbalaai in a Friday Sermon in Karbalaa, Iraq: Sistani Calls on Iraqis to Vote “Yes” on Constitution and Amend Problematic Articles Later. Middle East Media Research Institute. https://www.memri.org/tv/ayatollah-sistanis-representative-abd-al-mahdi-karbalaai-friday-sermon-karbalaa-iraq-sistani

[58] الباجه جي, ع. (2022, January 9). عدنان الباجه جي.. رجل بين قرنين - الحلقة 26 (م. فياض, Interviewer) [Interview]. In رووداو. https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/iraq/0901202210

[59] Lindauer, S. (2010). Extreme prejudice: The terrifying story of the patriot act and the cover ups of 9/11 and iraq : The ultimate conspiracy to silence truth. CreateSpace. [ebook version], p. 226.

[60] Ferguson, C. (2008). No end in sight: Iraq’s descent into chaos. Hachette UK, p. 171.

[61] Lindauer, S. (2010). Extreme prejudice: The terrifying story of the patriot act and the cover ups of 9/11 and iraq : The ultimate conspiracy to silence truth. CreateSpace. [ebook version], p. 226.

[62] Caldwell, D. (2011). Vortex of conflict: U.S. policy toward Afghanistan, Pakistan, and Iraq. Stanford University Press, p. 179.

[63] Khalilzad, Z. (2016). The Envoy: From Kabul to the White House, my journey through a turbulent world. St. Martin’s Press [ebook version], p. 216.

[64] Griffin, M. (2016). Islamic state: Rewriting history. Pluto Press (UK), p. 10.

[65] Fishman, B. H. (2016). The Master Plan: ISIS, al-Qaeda, and the Jihadi Strategy for Final Victory. Yale University Press, [ebook version], p. 67; الخربيط, م. (2022, August 26). الذاكرة السياسية | سر توسط أبو مصعب الزرقاوي لدى المقاومة العراقية من أجل إيران (ط. بركة, Interviewer) [Interview]. In قناة العربية. https://www.alarabiya.net/programs/politic-memory/2022/08/26/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D8%B1-%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A3%D8%A8%D9%88%D9%85%D8%B5%D8%B9%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%84%D8%AF%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86

[66] الشيخ علي, ف. (2021, February 26). السطر الأوسط - الموسم 1: الحلقة 33 - فائق الشيخ علي - الجزء الخامس (م. الروقي, Interviewer) [Interview]. In Shahid.net. https://shahid.mbc.net/ar/shows/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%85-1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-33/episode-871805

[67] Nordland, R. (2005, January 30). Free to be angry. Newsweek. https://www.newsweek.com/free-be-angry-116631

[68] فياض, م. (2002, December 1). شيعة العراق يبحثون في لندن تأسيس مجلس لهم. الشرق الاوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=8769&article=139099&feature=#.Y_mQiXZBxqk

[69] راجع: Al-Hilli, Dr Yousif . Ayatollah Al-Sistani in Post-2013 Iraq. Kindle Edition.

[70] Ghattas, K. (2020). Black wave: Saudi arabia, iran, and the forty-year rivalry that unraveled culture, religion, and collective memory in the middle east. Henry Holt and Company [eBook version], p. 290.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قناع السيستاني: بين الحقيقة ونظرية المؤامرة

إيران وتفجيرات المراقد المقدسة في سامراء