قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة الثانية – الهدف الحقيقي للخوئي

 

قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة الثانية – الهدف الحقيقي للخوئي

إن الأهداف التي ذكرت آنفا كمساعدة الشعب العراقي في المصالحة وفتح صفحة جديدة مبنية على التسامح يمكن أن يسهم فيها الخوئي من دون أن يعرض حياته للخطر، أو على الأقل من دون أن يكون أول الداخلين للعراق وكأنه في سباق مع الزمن. عندما سُئل الخوئي من قبل عائلته عن سبب تحمله المخاطرة في الذهاب المُبكر الى العراق، أجابهم "يجب ان أذهب لأن مخاطر عدم الذهاب أكبر".[1]

لقد كان للخوئي هدف آخر، إذ يروي الباحث الاسلامي محمد حسين بزي إن أحد الثقات سأل الخوئي قبل أشهر من مغادرته للعراق، عن أهدافه في حال سقط النظام؟ هل هي رئاسة الجمهورية مثلاً؟ عندها ابتسم الخوئي وقال: هل تعتقد إني ساذج لهذه الدرجة...! وتابع الخوئي: هذا المنصب (رئاسة الجمهورية) عادة ما يقتل صاحبه في بلد كالعراق، وعلى فرض انه لم يقتل، فهل تريدني ان أحكم أربع سنوات أو ثماني سنوات ومن ثم أحترق.. كلا، ليس عبد المجيد الخوئي الذي يفكر هكذا... لكن صاحبنا اخذه الفضول وسأله بتعجب، إذاً (سيدنا) ماذا تريد تحديداً؟ أجابه الخوئي بكل بساطة: انا أطمح لأن أصنع المرجع.[2]

والسؤال الذي يُطرح هنا هو كيف يريد الخوئي صناعة المرجع؟ لقد اشتملت خطته على إنشاء ما سماه بـ "المجلس الشيعي العراقي" (واضح بأن التسمية مستوحاة من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان) وكان هذا المجلس هو الهدف الحقيقي وراء رحلة الخوئي المبكرة، اذ يذكر عبد الحسن الخفاجي الذي كان مرافقا للخوئي ومشرفاً إدارياً للرحلة "المشروع الذي ذهب اليه الشهيد هو تأسيس المجلس الشيعي العراقي، وقد تمت اجتماعات حول هذا المشروع في لندن، وكان العمل فيه جارياً منذ سنين، هذا هو الهدف الرئيسي لعودته الى النجف".[3]

تمثلت أبرز اهداف المجلس الشيعي العراقي في الحفاظ على استقلالية المرجعية الدينية والحوزة العلمية والعتبات الشيعية، كما يمنع الدولة من التدخل في شؤونها ويتم تثبيت ذلك عبر نصوص دستورية وقانونية.[4] أي نستنتج من ذلك، ان المجلس الشيعي العراقي وفق رؤية عبد المجيد الخوئي سيكون مؤسسة أعلى من المرجعية، بل إن المرجعية الدينية ستكون خاضعة لهذا المجلس، وغالب الظن إن السيد عبد المجيد الخوئي كان سيضع دور مهم لمؤسسة الخوئي في هذا المجلس.

النجف عاصمة إسلامية

لقد كان للخوئي هدف آخر يتمثل في أن تستعيد النجف قوتها كمركز ديني بعد أن عانت ما عانت من تدهور زمن النظام البعثي من غلق العديد من مدارسها وتسفير طلبتها. لقد كان سقف طموحات الخوئي عالياً جداً وأراد تحويل النجف الى أشبه بالفاتيكان، لكن ليس فاتيكان شيعية وإنما فاتيكان إسلامية منفتحة على جميع طوائف المسلمين. فعندما وصل الخوئي للنجف أعلن في خطاب له امام جمع من أهالي النجف في الحضرة العلوية بان النجف ستكون عاصمة دينية لكل المسلمين في العراق من الشيعة والسنة، داعياً علماء السنة لأن يفتتحوا معاهدهم الدينية في النجف لتكون المسافة قريبة بين المذاهب السنية والشيعية وفرصة للحوار والتقارب.[5]

لقد كان الخوئي يدرك خطورة الطائفية والتي من الواضح أنه استطاع تشخيصها بدقة عبر احتكاكه بقيادات المعارضة العراقية التي تحمل توجهات طائفية، لذا سعى بأن ينقل المشكلة الطائفية من الشارع قبل أن تُفجّر الى أروقة المعاهد العلمية لتناقش بأسلوب أكاديمي بعيداً عن التعصب والتكفير. وهذا التوجه ليس بجديد على الخوئي فتحت قيادته لمؤسسة الخوئي أسهم بعقد ستة مؤتمرات للتقريب بين المذاهب الإسلامية.[6]

كما كانت للخوئي علاقات متميزة مع شيخ الازهر الدكتور محمد سعيد طنطاوي تخللتها زيارات متبادلة، كما أخبره شيخ الأزهر بأنه كان يحضر محاضرات والده أبو القاسم الخوئي عندما كان طالباً في جامعة البصرة، اذ كان يسافر الى النجف لحضور درس الخوئي في الأعوام 1966 وحتى 1969.[7]



[1] Ghattas, K. (2020). Black wave: Saudi arabia, iran, and the forty-year rivalry that unraveled culture, religion, and collective memory in the middle east. Henry Holt and Company [eBook version], p. 290.

[2] بزي, م. ح. (2003). عبد المجيد الخوئي و((شاهد)) بلا شهادة (الطبعة الاولى). دار الامير. ص. 162.

[3] بزي, م. ح. (2003). عبد المجيد الخوئي و((شاهد)) بلا شهادة (الطبعة الاولى). دار الامير. ص. 87. نقلا عن: مجلة النور الجديد. مؤسسة الخوئي الخيرية، العدد 144، آيار 2003، ص. 15؛ فياض, م. (2003, May 4). مقربون من عبد المجيد الخوئي ينفون حصوله على أموال من الإدارة الأميركية. الشرق الأوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?article=168950&issueno=8923

[4] كيوان, م. (2005). السيد عبد المجيد الخوئي والعمل المدني: نماذج متعددة. In عبد المجيد الخوئي: الرؤيا والنهج. دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ص. 125؛ فياض, م. (2002, December 1). شيعة العراق يبحثون في لندن تأسيس مجلس لهم. الشرق الاوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=8769&article=139099&feature=#.Y_mQiXZBxqk 

[5] فياض, م. (2008). ظهيرة ساخنة جداً.. القصة الحقيقية لمقتل السيد عبد المجيد الخوئي [ebook version]. معهد الخوئي، ص. 163. https://alkhoei.com/pictures/ImamKhoei/Osrateh/majidKhoei-zahireSakhene-PDF.pdf.

[6] المسلمي, م. (2005). “الوطني” و “القومي” في فكر الخوئي: دراسة في دلالات النص والمحتوى. In عبد المجيد الخوئي: الرؤيا والنهج. دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ص. 26.

[7] فياض, م. (2001, July 11). الأمين العام لمؤسسة الخوئي الخيرية في لندن: اقترحنا على شيخ الأزهر تأسيس كلية الاجتهاد لتدريس جميع المذاهب الإسلامية. الشرق الأوسط. https://archive.aawsat.com/details.asp?article=46981&issueno=8261

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قناع السيستاني: بين الحقيقة ونظرية المؤامرة

قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة الأخيرة (17) – هل خسر العراقيون الخوئي؟

إيران وتفجيرات المراقد المقدسة في سامراء