قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة العاشرة – علاقة مقتدى الصدر بإيران

 

قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة العاشرة – علاقة مقتدى الصدر بإيران

يكمن ارتباط السيد مقتدى الصدر بإيران من خلال تقليده للمرجع السيد كاظم الحائري، ذلك أن والده قد أوصى أتباعه بأن يقلدوا السيد كاظم الحائري من بعده لكونه الاعلم.[1] ويرتبط كاظم الحائري بعلاقة تبعية لولي الامر في طهران (الخميني ولاحقا الخامنئي)، وقد كان الحائري قد اختير فقيه حزب الدعوة في مطلع الثمانينات الا انه انسحب لاحقا عندما لم يمنح منصب قيادة الحزب، وحينها قال للحزب: عملكم يجب أن يكون شرعياً ولا بد أن تأخذوا اجازة من الامام الخميني باعتباره الولي الفقيه.[2]

خلال الحرب العراقية الإيرانية أصدر الحائري مجموعة فتاوى (طبعت لاحقا بالتسعينيات بكتاب تحت عنوان دليل المجاهد)، وقد افتى الحائري بجواز سرقة جميع الأموال الحكومية العراقية، كذلك قتل كافة الجنود العراقيين بمواجهة أو دون مواجهة، عند التحاقهم أو في اجازتهم، بل حتى عندما يكونون في منازلهم آمنين بين عوائلهم.[3]

في 7/4/2003 استلم السيد مقتدى الصدر رسالة من المرجع كاظم الحائري ينصبه فيها ممثله ووكيله في العراق ويمنحه لقب حجة الإسلام والمسلمين.[4] وهذا اللقب في العُرف الحوزوي معناه عالم مُجد ومجتهد متجزء (المجتهد المتجزء هو القادر على استنباط الاحكام الشرعية في بعض أبواب الفقه وليس جميعها).[5]

هذا اللقب الذي منحه الحائري للصدر لا يتسق حول ما كان يشاع عن مقتدى الصدر، اذ نشرت مجلة نيوزويك الامريكية مقالاً ذكرت فيه بأن بعض مثقفي الشيعة يرفضون مقتدى الصدر ويعتبرونه "زعطوط" أي بمعنى الطفل الجاهل، والبعض يسميه "مُلا أتاري" لكون الصدر كان مولعاً بألعاب الفيديو في صغره.[6] وهذه الاوصاف تنسجم مع ما ذكره المرجع السيد محمد سعيد الحكيم عندما وصف مقتدى في مجلس عام أُلقيت فيه الاشعار بأنه طفل وجاهل ورفض أن يقترن ذكره باسم السيستاني والحكيم.[7]

كذلك تروي الصحفية الامريكية ذات الأصول الإيرانية فرناز فاسيحي Farnaz Fassihi بأن معظم كبار رجال الدين الذين التقتهم بعد سقوط النظام أشاروا الى فقدان الصدر للمؤهلات العلمية، وفي مقابلتها للسيد علي الواعظ وكيل السيد علي السيستاني في الكاظمية، تحول كلام الواعظ الى اللغة الفارسية مجرد ما سألته عن مقتدى الصدر والسبب لكيلا يفهم المترجم المُرافق لها الكلام. اذ تحدث الواعظ باستهزاء قائلاً: سيد مقتدى.. سيد مقتدى.. منذ متى أصبح هذا الطفل ذو أهمية كبيرة؟ لقد سأمنا منه، على مقتدى أولاً أن ينهي دراساته ويكتسب قدر من الاحترام ومن ثم يتدخل بالسياسة. أما الآن فالأفضل أن يركز على دراسته ويترك قيادة الشيعة لرجال الدين الأكثر خبرة.[8]

لقد كانت إيران تهدف من خلال جعل مقتدى الصدر ممثلا ووكيلاً للحائري أن تكون قادرة على التأثير والتحكم به، وبالمقابل يحصل الصدر على غطاء شرعي لنشاطاته فضلاً عن حصوله على موارد مالية من الاخماس الشرعية التي يستلمها بصفته وكيلاً للحائري. وتجدر الإشارة هنا الى قيام الحائري منتصف شهر أبريل بإصدار فتوى عرفت بـ "فتوى الحواسم" والتي شرعت عمليات نهب الأموال العامة ما دام الناهبون يدفعون خمس أثمانها الى مكتب الصدر.[9]

يمكن أن تُفهم تحركات مقتدى الصدر عبر ملاحظة الفتاوى والبيانات التي يصدرها الحائري، ففي تاريخ 2/4/2003 أصدر الحائري البيان رقم 7 وفيه أفتى بحرمة الوقوف إلى جانب الامريكان أو جانب صدام،[10] وبالتالي فان عبد المجيد الخوئي قطعاً قد خالف فتوى الحائري بوقوفه بجانب الامريكان، والمعلوم إن الذي يخالف فتوى المرجع جزاؤه جهنم كما يذكر الحائري ذلك في بعض فتاواه. وبالرغم من كون كافة قوى الاسلام السياسي تعاملت مع الامريكان وزارت واشنطن قبل الحرب إلا إن ذلك كان يجري بتوجيه وإشراف طهران عكس ما كان يقوم به الخوئي.

في تاريخ 10/4/2003 أصدر الحائري البيان رقم 8 الذي ذكر فيه وظائف المسلمين في العراق، منها ملء الفراغ في ادارة المدينة من قبل المؤمنين بقدر الامكان كي تجعل الحكومة القادمة أياً كانت أمام الأمر الواقع. كذلك تضمن البيان فتوى بقتل كل صدامي مجرم يتصدى للهيمنة على بلد ما كمدير للأمور، أو محافظ لذاك البلد، او متسيطر عليه بأي شكل من الاشكال.[11] وهذه فتوى تنطبق على الكليدار الذي كان بعثياً وذهب يتصدى لإدارة مرقد الامام علي (عليه السلام) فهو مهدور الدم وفق هذه الفتوى.

تجدر الاشارة هنا الى إن الحائري في بياناته يستخدم مصطلح البعث الصدامي أو بعث العراق وذلك لكي يميزهم عن البعث السوري الذين تربطهم علاقة حميمة بالنظام الإيراني. وفي بيان الحائري رقم 19 بتاريخ 11/6/2003 صنف البعثيين العراقيين الذين كانت تُقدر أعدادهم بمليون ونصف[12] الى خمسة أصناف، أربعة منها مهدورة الدم ولم تسلم من دمويته الا الفئة التي انتمت للحزب بالإكراه للسلامة أو طلباً للقمة عيش خسيسة (حسب تعبير الحائري) في ظل نظام صدام.[13]



[1] الصدر, م. (2008, March 29). حوار مفتوح | مقتدى الصدر ورؤيته لواقع العراق بعد خمس سنوات من الغزو (غ. بن جدو, Interviewer) [Interview]. In YouTube قناة الجزيرة. https://youtu.be/fPUfv9ECcds

[2] الكاتب, ا. (2003, June 12). فتاوى السيد الحائري بخصوص السيد مقتدى. شبكة العراق الثقافية. https://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=2478&p=7566#post7566

[3] الزيدي, ع. (2015, January 10). قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 7. الحوار المتمدن. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=449956

[4] Newsweek Staff. (2003, May 18). Murder at the mosque. Newsweek. https://www.newsweek.com/murder-mosque-137289; الصدر, م. (2003, September 11). لقاء قناة الفضائية اللبنانية L.B.C مع السيد مقتدى الصدر (ا. الخياط, Interviewer) [Interview]. In هيئة تراث السيد الشهيد الصدر. http://www.jam3aama.com/?page=files&filename=1437305931.pdf

[5] الكشميري, م. ح. (2011). جولة في دهاليز مظلمة. مكتبة جابر الخزرجي، ص. 294.

[6] Bartholet, J. (2006, December 3). Moqtada al-Sadr  and U.S.’s Fate in Iraq. Newsweek. https://www.newsweek.com/moqtada-al-sadr-and-uss-fate-iraq-105197

[7] النجف -قريش. (2021, December 4). مَن هو المرجع الحكيم الذي توفي في النجف .. ولماذا كان يكره مقتدى الصدر؟. قريش. https://www.qoraish.com/qoraish/2021/09/%D9%85%D9%8E%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC%D9%81/

[8] Fassihi, F. (2008). Waiting for an Ordinary Day: The unraveling of life in Iraq. Hachette UK, p. 200.

[9] Seliktar, O., & Rezaei, F. (2020). Iran, revolution, and proxy wars. Springer Nature, p. 138.

[10] الحائري, ك. (2003, April 2). البيان رقم 7 - بيان المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري ((دام ظله الوارف)) بمناسبة دخول الكافرين الأراضي المقدسة في العراق الجريح. موقع سماعة السيد كاظم الحسيني الحائري. https://web.archive.org/web/20050401132410fw_/https://www.alhaeri.org/bayanat/07.pdf

[11] الحائري, ك. (2003, April 10). البيان رقم 8 - بيان المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري ((دام ظله الوارف)) بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة والعشرين لشهادة اية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره. موقع سماحة السيد كاظم الحسيني الحائري. https://web.archive.org/web/20050401111000fw_/https://www.alhaeri.org/bayanat/08.pdf

[12] Caldwell, D. (2011). Vortex of conflict: U.S. policy toward Afghanistan, Pakistan, and Iraq. Stanford University Press, p. 178.

[13] الحائري, ك. (2003, June 11). البيان رقم 19 - بيان المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري ((دام ظله الوارف)) حول اهدار دم وجوه البعثيين في العراق. موقع سماحة السيد كاظم الحسيني الحائري. https://web.archive.org/web/20030624214313fw_/https://alhaeri.org/bayanat/19.pdf

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قناع السيستاني: بين الحقيقة ونظرية المؤامرة

قصة عبد المجيد الخوئي: الحلقة الأخيرة (17) – هل خسر العراقيون الخوئي؟

إيران وتفجيرات المراقد المقدسة في سامراء